عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
23
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
فأمر له علي رضي اللّه عنه بجمل محمل ذهبا وفضة ثم قال علي رضي اللّه عنه : عاجلتنا فأتاك عاجل برنا * فلا ولو أمهلتنا لم تقتر فخذ القليل وكن كأنك لم تبع * ما صنته وكأننا لم نشتر باب الزهد والقناعة والتوكل قال اللّه تعالى : فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [ التوبة : 38 ] وقال عز وجل : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ [ الحديد : 20 ] قال نجم الدين النسفي رضي اللّه عنه : كل صفة لثماني سنين إلى أربعين سنة لعب ثماني سنين ولهو ثماني سنين وزينة ثمان سنين وتفاخر ثمان سنين وتكاثر ثمان سنين بلغ أربعين سنة فإن كان موفقا أقبل على الآخرة وتزود لها وإلا خسر خسرانا مبينا . وقوله تعالى : كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ [ الحديد : 20 ] أي الزارع لأن الزارع يكفر أي يستر البذر في الأرض ثُمَّ يَهِيجُ [ الحديد : 20 ] أي يصير يابسا يَكُونُ [ الحديد : 20 ] حطاما أي متكسرا وفي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ [ الحديد : 20 ] لمن رغب في الدنيا وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ [ الحديد : 20 ] لمن تزود منها للآخرة . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه يحمي عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم من الطعام والشراب » وعن البراء بن عازب رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن للّه خواص يسكنهم الرفيع من الجنان في أعلى عليين كانوا أعقل الناس » قلنا : يا رسول اللّه كيف كانوا أعقل الناس ؟ قال : « كانت هممهم المسابقة إلى اللّه عز وجل والمسارعة إلى ما يرضيه زهدوا في الدنيا وفي فضولها وفي رئاستها ونعيمها فهانت عليهم فصبروا قليلا فاستراحوا طويلا » قال القرطبي : قال رجل يا نبي اللّه أخبرني بجلساء اللّه تعالى يوم القيامة قال : « هم الخائفون الخاضعون المتواضعون الذاكرون اللّه كثيرا قال فهم أول الناس دخولا الجنة فتخرج إليهم الملائكة فيقولون لهم ارجعوا إلى الحساب فيقولون علام نحاسب ما أفيضت علينا الأموال في الدنيا فنقبض منها ونبسط وما كنا أمراء فنعدل ونجور ولكن جاءنا أمر اللّه فعرفناه حتى أتانا اليقين » قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « اتقوا اللّه فإنه يقول يوم القيامة أين صفوتي من خلقي فتقول الملائكة من هم يا ربنا فيقول الفقراء الصابرون الصادقون الراضون بقدري أدخلوهم الجنة فيدخلون الجنة يأكلون ويشربون والأغنياء في الحساب يترددون » . ( فائدة ) أصاب إبراهيم عليه السلام حاجة فذهب إلى صديق له يستقرض منه شيئا فلم يقرضه فرجع مهموما فأوحى اللّه إليه ولو سألتني لأعطيتك فقال يا رب عرفت مقتك للدنيا فخشيت أن أسألك إياها فتمنعني فأوحى اللّه إليه ليست الحاجة من الدنيا . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من طلب الدنيا حلالا واستعفافا عن المسألة وتعففا على جاره لقي اللّه ووجهه كالقمر ليلة البدر ، ومن طلب الدنيا تكاثرا وتفاخرا لقي اللّه وهو عليه غضبان » وقال الفضيل رضي اللّه عنه : من أقام نفسه في ذل في طلب الحلال حشره اللّه مع الصديقين ورفعه إلى الشهداء يوم القيامة .